"الإعلام الوهمي".. لعبة إيران الأخيرة لخداع الشعوب بالسم والعسل
طهران تقصف العقول بانتحال الأسماء والهويات

بصحيفة إلكترونية قالت لقرائها إنها تَصْدُر من قلب العاصمة المصرية، وأخرى نسبت نفسها لمجتمع الصحافة السودانية، فضلًا عن 10 مواقع إخبارية ادَّعت الانتماء إلى اليم
ملخّص ذكي — أبرز ما في الخبر
مولّد بالذكاء الاصطناعي للقارئ المستعجل
بصحيفة إلكترونية قالت لقرائها إنها تَصْدُر من قلب العاصمة المصرية، وأخرى نسبت نفسها لمجتمع الصحافة السودانية، فضلًا عن 10 مواقع إخبارية ادَّعت الانتماء إلى اليمن، نفذت أجهزة الاستخبارات الإيرانية، خلال السنوات الماضية، واحدة من أكثر عمليات الخداع الإلكتروني كثافةً وجرأةً، متصورة أنها بذلك تستطيع تعويض فشل وسائل إعلامها المعروفة في استقطاب الرأي العام الخارجي.
وشملت عملية الخداع التي استمرت 6 سنوات، فضلًا عن مواطني الدول الثلاث، بلدانًا توصف بأنها غير متقدمة تكنولوجيًا، كأفغانستان وباكستان (المجاورتين)، وأخرى متقدمة ولها تأثير كبير في السياسة الدولية مثل ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، وفق ما كشفت وكالة "رويترز" في تحقيق استقصائي توصلت فيه إلى العديد من المعلومات المثيرة.
واتخذت العملية، وفق هذه المعلومات، من العاصمة الإيرانية طهران مركزًا لها، بينما مثَّلت تكنولوجيا النشر الصحفي الحديثة وسيلتها للوصول إلى مواطني الدول الأخرى بمختلف لغاتهم، عبر انتحال صفات وأسماء وعناوين لا وجود لها على أرض الواقع.
مع المصريين مثلًا، أطلق الإيرانيون موقعًا إخباريًّا، قالت لزوَّاره: إن مقره يقع بميدان التحرير (قلب العاصمة المصرية)، وهو ما أكدت "رويترز" عدم صحته، موضحة أن رقم الهاتف الخاص الذي تم تسجيله أمام الراغبين في التواصل، كان أيضًا جزءًا من الخدعة.
ونقلت الوكالة عن مصريين يرتادون محيط ميدان التحرير بشكل دائم أنهم لم يسمعوا من قبل عن موقع "نيل أونلاين"، غير أن الوضع على منصات التواصل الاجتماعي كان مختلفًا، إذ حظيت صفحة الموقع على "فيس بوك" و" تويتر" و"إنستقرام" بمتابعة أكثر من 115 ألف شخص.
لاحقًا، بادر الموقع إلى نفي ما نُشر عنه، متهمًا "رويترز" بالتحامل عليه بسبب دعمه للمقاومة الفلسطينية، دون أن يقدم إثباتات يؤكد بها وجوده وهويته المعلنة، وهو الأمر الذي تقصَّت "عاجل" حقيقته في أوساط الصحفيين المصريين؛ لكنها لم تجد أي معلومات متوافرة لا عن هيئة التحرير أو عن الاسم نفسه.
وحتى السادس من ديسمبر، بقي الموقع متاحًا على الإنترنت، غير أن عملية تحديثه توقفت في مطلع الشهر نفسه، دون توضيح الأسباب، مع ملاحظة أن المحتوى الذي نُشر قبل ذلك كان أكثر تركيزًا على قضايا الخارجية، أبرزها الصراع العربي- الإسرائيلي، والسياسة الأمريكية تجاه المنطقة.
وحسب "رويترز"، فقد استخدمت إيران موقعًا مشابهًا قال إنه يعمل من الخرطوم، وهو "السودان اليوم"، الذي يبدو مشابهًا لمثيله المصري من حيث المحتوى، إذ إن اهتمامه ينصب بالدرجة الأولى على مهاجمة كل من إسرائيل وأمريكا، فضلًا عن إعادة نشر المواد التي تسيئ للسعودية والإمارات على وجه التحديد.
وخلافًا لعادات الصحف الإلكترونية، خلا موقع "السودان اليوم" من أي معلومة تدل على هويته أو القائمين على تحريره أو حتى وسيلة اتصال يمكن أن تقود إليهم، مع ملاحظة أن غالبية التقارير المنشورة ليس لها نسب صحفي يتيح للقارئ التعرف على أعضاء فريق التحرير به.
الأمر نفسه ينطبق، وفق تحقيق "رويترز" على نحو 70 موقعًا على الأقل، ثبت أن مركزها في طهران وتنشر موادها بـ 15 لغة، أهمها بجانب العربية؛ الإنجليزية والألمانية والأوردية والفرنسية، ما يؤكد وجود استراتيجية متكاملة للاستفادة بالفضاء الإلكتروني من أجل ترويج وجهات نظر معينة.. فماذا يعني ذلك من الزاويتين السياسية و الإعلامية؟
هدف قديم بأسلوب عصري
السلوك الإيراني ليس جديدًا في ذاته، ذلك أن الإعلام ظل- على الدوام- من بين أدوات السياسة الخارجية لمختلف الدول، ففي فترة الحرب الباردة- مثلًا- استغلت القوى الغربية، خاصة الولايات المتحدة وألمانيا، البثَّ الإذاعي المُوجَّهَ لبلدان أوروبا الشرقية من أجل تأليب الرأي العام ضد الحكومات الشيوعية القائمة حينئذ، بينما وظفت حكومات الدول حديثة الاستقلال، في إفريقيا وآسيا، الوسيلة نفسها للتخلص من آثار الاستعمار وتحقيق ما اعتبرته طموحات وطنية.
نفس المنطق هو الذي يحرك الحكومات للاستفادة بالفضاء الرقمي إعلاميًّا، غير أن بعضًا منها اتجه- وكما يتضح من الحالة الإيرانية- للاعتماد على منصات وهمية، تعبر عنها؛ لكنها تتخفى وراء هويات مزيفة، أملًا في تمرير مواقف ووجهات نظر بعينها من خلال إطار يبدو للقارئ، وكأنه خاص به.
يعكس هذا التوجه، كما يقول الباحث والإعلامي المصري علي عبدالصادق لـ"عاجل"، مفارقة لافتة في السياسة الدولية المعاصرة، فبعد أن كانت حركات المعارضة مضطرة في بعض البلدان، لاسيما في الدول السُّلْطَوِيَّة، إلى التَّخفي الإلكتروني تحسبًا للملاحقات والمطاردات، باتت بعض الحكومات هي التي تلجأ لهذا الأسلوب، مشيرًا إلى أن ذلك يعكس أمرين أساسيين؛ أولهما: فشل هذه الحكومات في التأثير المباشر على الرأي العام، وثانيها: رغبة هذه الحكومات في تشتيت تركيز خصومها وإضعاف مواقفهم تجاه قضايا بعينها، عبر الإلحاح عليها إعلاميًّا.
ويشير عبدالصادق إلى أن لجوء الحكومات إلى التخفي الإلكتروني أكثر شيوعًا بين الدول التي تتورط في أزمات خارجية، كونها تأمل في الحصول على دعم معنوي من الخارج، غير أن النجاح في ذلك يبقى مرهونًا بما يتوافر لها من إمكانات تكنولوجية وقدرات بشرية، فضلًا عن وجود داعمين لها في الساحات المستهدفة بهذا الأسلوب.
وتتوافر هذه المقوِّمات على نحو واضح في الحالة الإيرانية، فمع تجدد الأزمة مع القوى الدولية وتوتر العلاقة مع معظم دول الخليج، تحاول طهران- حسبما يقول الباحث المتخصص في الشأن الخليجي- أسامة الهتيمي لـ"عاجل"- أن تلعب بعدد من الأوراق المتاحة لها، ومن بينها التأثير الطائفي على الشيعة، ثم الاستفادة بهم داخل مجتمعاتهم، فضلًا عن استخدام الإعلام بمختلف أشكاله.
ويلفت الهتيمي إلى أن إيران تعد من أكثر الدول التي سعت للاستفادة بوسائل الإعلام، سواء الصحف أو القنوات الفضائية، مضيفًا أن طهران تعرف منذ نجاح ثورة الخميني، التي اعتمدت لحشد المواطنين ضد نظام الشاه على "الكاسيت" قيمة الإعلام في تحقيق الأهداف السياسية.
ويقول الهتيمي: "الإعلام هو رأس الحربة للمشروع الإيراني، ولذلك تم دفع القائمين عليه لتفعيل كل الآليات الإعلامية الممكنة، بما في ذلك شراء مؤسسات إعلامية عربية واستقطاب كُتَّاب وباحثين مؤثرين".
وفيما يتصل باستغلال ثورة الاتصال، أوضح الهتيمي أن إيران بدأت منذ قرابة 10 سنوات العمل من خلف الكواليس للتأثير على الرأي العام عبر الإنترنت، مشيرًا إلى أن طهران شكلت "جيشًا إلكترونيًّا" ضم نحو 100 ألف عنصر لا يزيد عمر قائدهم على 35 عامًا، وكان من مهامه تدمير بيانات مؤسسات وشخصيات علمية في أمريكا وغيرها، وكذلك "في إنشاء مواقع إلكترونية وصفحات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي".
ويرى الهتيمي أن التخفي الإلكتروني هو أحد المهام الرئيسة لهذا الفريق؛ لكنه لم يُخف دهشته من جرأة الإيرانيين في بناء مظلات إعلامية وهمية تدَّعي الانتماء لبلدان أخرى، على غرار موقع "نايل أونلاين"، مشيرًا إلى أن مثل هذا السلوك لا يعكس ذكاءً سياسيًّا، بقدر ما يدل على افتقاد طهران لأنصار محليين قادرين على ترويج وجهات نظرها أو الدفاع عن سياساتها.
من جهة ثانية، أرجع خبراء في التقنية اتجاه إيران لتنفيذ خطة "الإعلام الوهمي" إلى ما أسمَّوْه التطور الملحوظ في قطاع التكنولوجيا لديها، مع تحررها النسبي من رقابة قوانين الملكية الفكرية.
وتعود هذه الميزة في جانب منها إلى العقوبات الأمريكية، التي جعلت إيران تعتني بقطاع التكنولوجيا المحلي، مع حرمان شركات التكنولوجيا العالمية من دخول السوق.
ويرى محللون أن وجود إيران خارج رقابة حقوق الملكية الفكرية والمنافسة خلال فترة العقوبات، واستمرار ابتعادها عن الاندماج في الاقتصاد العالمي، كانا من بين عوامل تجرؤها على تحدي المبادئ الأولية التي وضعتها الأمم المتحدة لوقف الاستغلال السلبي للإنترنت في العلاقات الدولية.
تأكيدًا لصحة هذا التحليل؛ قال مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية "CIA"السابق جون برينان، في تصريح لـ"رويترز" أن دولًا في كل أنحاء العالم تستخدم في الوقت الحاليِّ أساليب حرب المعلومات من هذا النوع؛ لكن الإيرانيين خبراء محنكون، مضيفًا " ثمة عناصر في أجهزة المخابرات الإيرانية تتميز بالبراعة من حيث العمل على الإنترنت."
"الإعلام الوهمي".. دليل فشل
هل يشكل اللجوء إلى الإعلام الوهمي وجهًا للبراعة الإيرانية في الاستفادة من مستجدات العصر، على ما ذهب المسؤول الأمريكي السابق؟
يجيب الهتيمي قائلًا: "العكس هو الصحيح، فلجوء طهران إلى هذا المسار يرتبط بسعيها لتعويض الفشل الذي منيت به إعلاميًّا، على الرغم من إطلاقها وتمويلها عشرات الصحف والقنوات والإذاعات الموجهة إلى مختلف شعوب العالم". وبتقديره فإن انتحال الإيرانيين هويات إعلامية مضللة يدل قطعًا على هزيمة وسائلهم التقليدية.
ويشير الهتيمي إلى أن "نجاح الدول في التأثير الخارجي يُقاس بما تحققه ذاتيًّا لا بالتخفي ودَسِّ السم في العسل"، في إشارة إلى تركيز المواقع الإيرانية الوهمية على نشر أخبار المقاومة ضد إسرائيل،؛ لتمرير خطاب محرض ضد الدول العربية المناوئة لطهران، كالسعودية والإمارات.
وتعزز الأرقام المعلنة هذا التحليل، ففي عام 2017 على سبيل المثال، قدرت ميزانية هيئة الإذاعة والتليفزيون الإيرانية، الجهة المنوط بها الشأن الإعلامي الرسمي، بأكثر من 7 مليارات دولار، ووصل عدد الكوادر البشرية بها 46 ألفا. أما مكاتبها الخارجية فبلغت 21 مكتبًا، تغطي عددًا من العواصم المهمة للسياسة الإيرانية كالقاهرة وبيروت ودمشق.
بجانب ذلك؛ تملك الهيئة نفسها 30 قناة فضائيّة تبث برامجها على مدار الساعة وبشكل يومي، من خلال 12 قمرًا صناعيًّا أجنبيًّا، و13 محطّة إذاعية تبث برامجها يوميًّا دون انقطاع لكافة أنحاء العالم بمختلف اللغات، وأهمها الإنجليزيّة والفرنسيّة والعربيّة والرّوسيّة والإسبانيّة والتركيّة والكردية والأوردو، ناهيك عن برامج بلغات إفريقية من قبيل الهوسا والسواحيلي، وفق ما ذكر الناشط الحقوقي كريم عبديان بني سعيد، في مقال نشرته يومية "الشرق الأوسط" في 29 مارس عام 2017.
وتظهر نتائج استطلاعات الرأي العام التي تجرى دوريًّا في عدد من الدول التي يستهدفها الإعلام الإيراني أن كل هذه الإمكانات لم تساعد طهران في استمالة مواطني الدول المستهدفة، بدليل أن النسبة الغالبة من مواطني هذه الدول لا ترى فيها صديقًا يمكن الوثوق به، خلافًا لكل من السعودية والإمارات اللتين احتفظتا لسنوات متتالية بموقع الصدارة في هذا المجال، خاصة في مصر والسودان وباكستان.
في عام 2015 على سبيل المثال، رأى 88% من المصريين أن السعودية هي الصديق الأول لبلدهم، فيما جاءت الإمارات ثانية بـ72%، بينما حلت إيران بعد كل من الولايات المتحدة وإسرائيل في قائمة الدول الأكثر عداء، وفق نتائج أعلنها مركز "بصيرة" لاستطلاعات الرأي العام.
وعلى الرغم من محاولات بذلتها أطراف عديدة للتأثير على موقف الشارع المصري من السعودية، أظهرت نتائج استطلاع آخر أُجري 2017، أن كلًّا من المملكة والإمارات حافظتا على ذات المكانة، بينما تنافست إيران مع تركيا على المركز الثالث في القائمة العكسية.
الحقيقة نفسها، كشفها استطلاع رأي أُجري في باكستان في مطلع يناير 2017، عندما أكد 75% من المواطنين عن وجهات نظر إيجابية تجاه السعودية.
ووفق ما أوردت صحيفة "ذا نيوز": فإن الاستطلاع الذي أُجري من قبل "جالوب باكستان" أظهر، أن ثلاثة أرباع الباكستانيين، يحملون وجهات نظر مؤيدة للصين والسعودية، كما أن الأغلبية لديها وجهات نظر سلبية تجاه الولايات المتحدة والهند وأفغانستان وشعور محايد تجاه إيران وروسيا.
نهاية اللعبة
على الرغم من هذا الفشل، واصل الإيرانيون خلال عام 2018 مساعيهم للتأثير في الرأي العام العالمي، وربما كان لجوؤهم إلى "الإعلام الوهمي" محاولة أخيرة لتغيير صورة طهران الخارجية. لماذا؟
يرد الإعلامي هشام سلام قائلًا إن" الإعلام الوهمي، يسمح للقائمين عليه أن يتجاوزوا الموقف السلبي منهم بسياسة تحريرية قادرة على النفاذ إلى مختلف الأوساط"، كما أن "الفضاء الإلكتروني يوفر فرصًا غير محدودة لنجاح مثل هذا الأسلوب، خلافًا للبث التليفزيوني والنشر الصحفي، اللذَيْن يخضعان لضوابط قانونية وتنظيمية".
ومع أن المعلومات المتوافرة عن تاريخ الإعلام الوهمي الإيراني لا تتيح تكوين صورة كاملة عن خطوات تطوره ولا نطاق عمله، فالمرجح أنه ارتبط بنمو ما يعرف بـ"الجيش الإلكتروني الإيراني (ICA)، الذي ظهر في عام 2009، وكان عمله الرئيس ينصب على عزل وتفكيك أنشطة المعارضة من خلال تخريب تواصلها مع أعضائها داخل إيران ومؤيديها في الخارج؛ لكنه شهد في العام 2011، تطورًا مهمًا مع تأسيس مركز متخصص في الحرب الإلكترونية، جمع تحت مظلته العناصر الفنية الإلكترونية في كل من القسم الفني لوزارة الاستخبارات وجهاز استخبارات الحرس الثوري، بالإضافة إلى العناصر الفنية في وزارة الدفاع، وذلك كخطوة متقدمة لبناء ما يُعرف بـ"منظومة الدفاع الإلكتروني".
وعمل الجيش الإلكتروني الإيراني على الاستفادة بالخبرات المتوافرة في جهات بعينها مثل وكالات الأنباء والهيئات الإذاعية، خاصة من يجيدون اللغات الأجنبية ولهم تعامل سابق مع المجتمعات الأخرى، أملًا في تكوين رأي عام خارجي داعم لسياسة طهران، وذلك وفق ما أوردت مصادر متعددة، من بينها كتاب "الجيش الإلكتروني الإيراني" الصادر عام 2014 عن "مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية".
واستنادًا لما ذكرته "رويترز"، فإن هذا الجيش أو قطاعًا منه على الأقل هو الذي قاد عملية "التضليل الإعلامي"، التي باءت- كما تُظهِر المعطيات- بفشل واضح في مختلف الساحات التي استهدفتها.
كلمات مفتاحية
التعليقات
مراجعة آلية بالذكاء الاصطناعي قبل النشر