تصاعدت الأوضاع في السودان بوتيرة متسارعة، ونجح المتظاهرون في إسقاط نظام الرئيس عمر البشير بعد جلوسه على سُدة حكم البلاد لنحو 30 عامًا.
فالأوضاع التي اشتعلت لن تهدأ، وستتوالى الأحداث تباعًا، ففيما يرى مراقبون أن قرار التحفظ سيكون بمثابة ورقة للتفاوض مع أية جهة خلال الفترة المقبلة، تحركت المحكمة الجنائية الدولية على الفور، مطالبة بتسليم الرئيس المخلوع وأركان نظامه للمحاكمة بتهمة الإبادة الجماعية وعدد من الاتهامات الأخرى.
وعلى وقع تصاعد الأحداث المحلية، وإعلان الجيش التحفظ على البشير، وفرض حلالة الطوارئ في البلاد، تحركت المحكمة الجنائية الدولية فورًا، مطالبة السلطات (الجيش) بتسليم الرئيس المخلوع، تنفيذًا لقرار صادر عن مجلس الأمن الدولي، ويتبقى السؤال: هل سيستجيب الجيش لتسليم البشير ليُحاكم دوليًّا أم سيبقى رهن الاعتقال لحين محاكمته محليًّا استجابة لمطالب المتظاهرين؟
وردًا على هذه التساؤلات، قال المتحدث باسم المحكمة الجنائية الدولية فادي العبدالله، مساء اليوم الخميس، «إن المحكمة لا تُعلق حول الأوضاع الداخلية في أي بلد، أما البشير فقد أصدرت المحكمة أمرين بالقبض عليه ولا يزالان ساريي المفعول»، مضيفًا: «أن المحكمة تطلب من السلطات السودانية التعاون في شأن هذه الأوامر، والأوامر الأخرى الصادرة عنها؛ إنفاذًا لقرار مجلس الأمن الذي ألزم السودان بالتعاون مع المحكمة».
وفي مارس 2009 أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أول مذكرة اعتقال بحق الرئيس السوداني عمر البشير وعددًا من معاونيه بتهم ارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية؛ لتضاف في عام 2010 تهمة الإبادة الجماعية.
وفي شأن الإجراءات التي يتعين على المحكمة اتباعها إن تم تسليم البشير إليهان قال العبدالله: «توجد معايير ثابتة أمام المحكمة تتبعها في مثل هذه الحالات؛ فهناك مرحلة ما قبل المحاكمة وجلسات الاستماع، وإذا ما تم التثبت من حقيقة الاتهامات فهنا تبدأ مرحلة المحاكمة نفسها وخلالها يُعامل كل المشتبه بهم على أنهم أبرياء حتى تثبت ضدهم التهم تمامًا بكل الأدلة القاطعة، وخلال المحاكمة؛ للمتهم الحق في تعيين محام خاص، كما يمكنه تولي مسألة الدفاع عن نفسه إن هو أراد فكل حقوق المتهم في إجراء محاكمة عادلة مكفولة تمامًا وبعدها يصدر الحكم من القضاة».
وفي حال استضافة دولة ما البشير، قال العبدالله: «هناك دول معينة لديها التزامات بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، وهي الدول الأعضاء في المحكمة، كما أن السودان نفسه ملزم بالتعاون مع المحكمة وفق القرار الأممي رقم 1593 (وهو القرار الدولي الداعي إلى محاكمة المتّهمين بارتكاب جرائم حرب في دارفور في المحكمة الجنائية الدولية بلاهاي). فإذا لم تتعاون هذه الدول مع المحكمة فإننا سنضطر إلى إبلاغ مجلس الأمن بحدوث انتهاكات من جانب هذه الدول لما تعهدت به، أما الدول الأخرى التي ليس لديها مثل هذه الالتزامات، وهي ليست أعضاء في المحكمة وليس لديها التزامات أمام مجلس الأمن فبإمكانهم إن هم أرادوا تطوعيًّا التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، لكنهم في النهاية ليس لديهم ما يجبرهم على تعاون من هذا النوع».
وقد وجهت الجنائية الدولية، اتهامات للبشير، بارتكاب جرائم في دارفور، أثناء اندلاع الحرب الأهلية في عام 1994، مع صدور قرار الحكومة السودانية بتقسيم دارفور إلى عدة ولايات؛ ليبدأ بعدها تمرد مسلح من جانب «حركة تحرير السودان» و«حركة العدل والمساواة»؛ بسبب عقود مستمرة من التهميش والفقر المدقع. بحسب ما قالت الحركتان وقتها.
وتصدت حكومة البشير للاحتجاجات المسلحة بعنف هائل نتج عنه نحو ثلاثمائة ألف قتيل من المدنيين، فضلًا عن نزوح قرابة ثلاثة ملايين آخرين، وفق البيان الذي صدر عن الأمم المتحدة في عام 2008. لكن حكومة البشير رفضت التقرير وقالت إن عدد القتلى لا يتعدى عشرة آلاف شخص.
ووفق مراقبون؛ فإن السيناريو الأقرب للواقع سيكون استمرار التحفظ على البشير؛ لاستخدامه كورقة للتفاوض محليًّا ودوليًّا، خاصة أن بعض الدول التي كانت تربطها علاقة وطيدة بالرئيس المعزول سوف تتحرك خلال الساعات المقبلة؛ لإطلاق سراحه، ومنحه حق اللجوء السياسي، حماية له من المطاردات الداخلية والخارجية.
ويرى المراقبون أن إقصاء البشير لن يكون نهاية التوتر في البلاد ولكنه بداية لمزيد من التصعيد، خاصة أن مؤديه في الحزب الحاكم سوف يسعون لتنظيم تظاهرات مؤيدة للرئيس المخلوع، فضلًا عن دخول بعض القوى المتشددة على الخط؛ لممارسة ضغوطها على الجيش، والحصول على أكبر مكاسب ممكنة خلال الانتخابات المنتظرة، سواء الرئاسية أو البرلمانية.
وعلى الفور ظهرت الضغوط على الجيش، وأعلن «تجمع المهنيين السودانيين» المعارض، رفضه لما وصفه بـ«الانقلاب العسكري»، داعيًّا إلى تواصل الاحتجاجات حتى تسليم السلطة إلى حكومة انتقالية مدنية، قائلًا: «إن سلطات النظام (الجيش) نفذت انقلابًا عسكريًّا تُعيد به إنتاج ذات الوجوه والمؤسسات التي ثار شعبنا العظيم عليها».
وأضاف التجمع المعارض: «يسعى من دمروا البلاد وقتلوا شعبها أن يسرقوا كل قطرة دم وعرق سكبها الشعب السوداني العظيم في ثورته التي زلزلت عرش الطغيان».
