أدّت العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة في يناير الماضي على صناعة النفط الفنزويلية، إلى تفاقم الصعوبات التي يواجهها اقتصاد فنزويلا، الأمر الذي أدى إلى قطع مصدر الدخل الفنزويلي الوحيد، كما أنه ينذر بمزيد من الانخفاض في إنتاج النفط.
وبالرغم من أن إنتاج فنزويلا من النفط يتراجع بسبب العقوبات الأمريكية وسوء الإدارة الحالية -خاصة خلال العام الماضي- فإن جذور مشكلات فنزويلا الاقتصادية تعود إلى 20 سنة مضت.
وحتى في الوقت الذي تعلن فيه الولايات المتحدة عن فرض عقوبات جديدة على صناعة النفط في فنزويلا، ظلت كاراكاس واحدة من أهم موردي النفط لأمريكا في عام 2018، حيث جاءت في المرتبة الثالثة بعد كندا والمملكة من حيث حجم الموارد النفطية المُصدرة لأمريكا، بينما انخفضت واردات الولايات المتحدة من فنزويلا على مر السنين، لكن هذا هو الحال مع كل بلد تقريبًا منذ زيادة إنتاج النفط الصخري الأمريكي.
فالاقتصاد الفنزويلي، الذي يعاني من البطالة والتضخم المفرط والنقص الحاد في الاحتياطات الدولية، تقلص إلى النصف منذ عام 2013، وهرب الملايين من الناس من البلاد. وتضررت شركة النفط الحكومية الفنزويلية "Pdvsa" بسبب نقص الاستثمار والمحسوبية وسوء الإدارة والفساد وهجرة الخبراء.
تاريخ من التراجع
بلغ إنتاج فنزويلا من النفط أعلى مستوياته في 1970 عندما أنتجت البلاد 3.8 مليون برميل يوميًّا، وفي عام 1976 تم تأميم صناعة النفط، في ذلك الوقت شهد إنتاج النفط في فنزويلا انخفاضًا بأكثر من 50٪ بين عامي 1970 و1985. وفي عام 1997، بدأ الإنتاج ينمو مرة أخرى، عندما سعت فنزويلا لجذب الاستثمارات الأجنبية وتطوير النفط الثقيل في حزام أورينوكو، وفتحت صناعتها النفطية أمام الاستثمار الأجنبي.
وبحلول عام 1998، انتعش إنتاج فنزويلا من النفط إلى 3.5 مليون برميل يوميًّا، ووصل تقريبًا إلى مستواه السابق. بينما ظل تراجع إنتاج الذهب الأسود في فنزويلا، حيث انخفض بحلول 2017 إلى 2 مليون برميل يوميًّا، وفي 2018، انخفض مرة أخرى إلى 1.5 مليون برميل يوميًّا.
ووفقًا لتقرير «أوبك» الشهري الأخير لسوق النفط، انخفض إنتاج فنزويلا -خلال يناير الماضي- إلى 1.1 مليون برميل في اليوم. ومن المحتمل أن ينخفض إنتاج فنزويلا من النفط إلى 500 ألف برميل يوميًّا بحلول نهاية 2019، بسبب تأثير العقوبات الأمريكية على شركة النفط الحكومية الفنزويلية (PDVSA).
وإذا انخفض إنتاج النفط بالفعل إلى 500 ألف برميل يوميًّا بنهاية العام الجاري، سيجد عملاء النفط الثقيل في فنزويلا، بما في ذلك الهند والولايات المتحدة، صعوبة في شراء بديل ثقيل مناسب، لأن أنواع النفط ليست واحدة، وبالتالي تحتاج تلك الدول إلى أنواع أخرى من المصافي اللازمة لاستيراد النفط من مناطق أخرى.
احتياطات صعبة
تمتلك فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، لكن معظمها تتكون من النفط الخام الثقيل في حزام أورينوكو. وهذا النفط يشكل تحديًا للإنتاج، ولهذا السبب دعت فنزويلا شركات النفط الدولية إلى البلاد للمشاركة في تطوير هذه الاحتياطيات.
وتضطر شركات مثل إكسون موبيل، بي بي، شيفرون، توتال وكونوكو فيليبس، إلى ضخ استثمارات رأسمالية كبيرة تُقدر بمليارات الدولارات في التكنولوجيا والبنية التحتية لتحويل النفط الثقيل إلى صادرات من النفط الخام.
عوائق استثمارية
وفي عام 2007، في ظل ارتفاع أسعار النفط العالمية، وسعت حكومة فنزويلا استثماراتها بهدف جني مزيد من الإيرادات، حيث بدأت الاستثمارات التي تقوم بها شركات النفط الدولية في تحقيق نتائج إيجابية. وهنا طالبت فنزويلا بتغييرات في الاتفاقيات التي أبرمتها شركات النفط الدولية والتي من شأنها أن تمنح فنزويلا سيطرة الأغلبية على المشاريع.
في الوقت نفسه، رفضت إكسون موبيل وكونوكو فيليبس تلك الاتفاقيات، ونتيجة لذلك تم مصادرة أصولهم. ثم تم الحُكم في ما بعد بعدم قانونية هذه المصادرات، ومُنحت التعويضات لكلتا الشركتين.
وكانت تلك المصادرات من أهم عوائق الاستثمار النفطي في فنزويلا، وتسببت في الانخفاض الحادّ في إنتاج النفط الفنزويلي، وفشلت الحكومة في تقدير مستوى النفقات الرأسمالية المطلوبة لمواصلة تطوير نفط البلاد، كذلك عندما كانت أسعار النفط مرتفعة، قامت الحكومة بتحويل المليارات من صناعة النفط إلى البرامج الاجتماعية للبلاد، لكنها فشلت في إعادة الاستثمار بشكل مناسب في هذه الصناعة كثيفة رأس المال.
الأعباء المالية
ويقول محللون، إن العثور على مشترين في آسيا قد يكون صعبًا، حيث تستخدم واشنطن نفوذها السياسي والمالي للضغط على الدول كي تقطع التعامل مع شركة النفط الفنزويلية الحكومية. ولا يزال من غير الواضح كيف سيتم تنفيذ المبيعات النقدية دون استخدام أنظمة البنوك الأمريكية أو الأوروبية بعد 28 إبريل المُقبل، وهو الموعد النهائي الذي حددته وزارة الخزانة الأمريكية لتطبيق العقوبات.
وقد تم فرض العقوبات الأمريكية على فنزويلا لتقويض الدعم المالي للرئيس مادورو، ما أدى إلى خفض وصوله إلى عائدات النفط التي ساعدت حكومته على البقاء في السلطة.
وذكر بنك جولدمان ساكس الأمريكى، في مذكرة يوم أمس الأربعاء، أنه بسبب العقوبات «كانت هناك قدرة محدودة لمصافي التكرير من غير الولايات المتحدة على تحمل نفط فنزويلا الثقيل للغاية»، خارج الهند والصين.
ومن الصعب أن تتعافى صناعة النفط في فنزويلا دون إعادة استثمارات كبيرة إليها، ذلك لأن استمرار الاضطرابات الراهنة في فنزويلا يمكن أن تستمر في تدمير صناعة النفط في البلاد.
بدائل مُكلفة
وتسعى شركة النفط الحكومية إلى الاحتفاظ بالمشترين في الدول المستهلكة الكبيرة الأخرى مثل الهند والصين، بعد أن أوقفت شركات التكرير الأمريكية عمليات الشراء. ومن المتوقع أن تظهر الهند كعميل مفضل لفنزويلا، بسبب رغبة البلاد في الدفع مقابل النفط الخام، على عكس الصين التي دخلت في اتفاقيات النفط مقابل القروض.
وتريد فنزويلا، التي تبيع أكثر من 300 ألف برميل يوميًّا للهند، أكثر من مضاعفة المبيعات إلى الدولة الواقعة في جنوب آسيا. وسوف تحتاج إلى القيام بمزيد من تلك المبيعات للحفاظ على صناعة النفط لديها، بعد أن خفضت العقوبات الأمريكية صادراتها النفطية إلى أدنى مستوى لها في 10 أشهر.
